الجاحظ
199
العثمانية
وهذه مكرمة وعطية ، ولا يجوز أن يحبو بها خالق العباد إلا نبيا أو خليفة نبي . فأما قوله : " ما كانت بيعتي إلا فلتة وقى الله شرها " ، فقول امرئ عالم بالعواقب ، عالم بأسباب الفتن ، شديد الشفقة منها ، حامد لربه على السلامة منها . أو ما علمت أن أبا بكر بينا هو يخطب على المهاجرين في مسجد النبي صلى الله عليه ، والنبي مسجى ، وهو يحتج عليهم ويعرفهم سرفهم ، واعتداءهم في قولهم : إن النبي صلى الله عليه لم يمت . وقد خاف أن يصير بهم الافراط في التعظيم ، والغلو في الحب ، أن يضارعوا مذهب النصارى وخاف أن يكون آخر أمرهم أشد من أوله . وكان أشد الأمور عليه في ذلك أن مثل عمر ، وعبد الرحمن ، وعثمان ، هم الذين كانوا خرجوا إلى ما لا ينبغي من القول ، فبدرهم بالخطبة محتجا عليهم ومعرفا لهم مواضع غلطهم ، ونحس إفراطهم ، فحين تبين لهم خطؤهم وسلموا لاحتجاجه عليهم ، أتاه آت فقال : إن الأنصار قد اجتمعت إلى سعد بن عبادة في سقيفة بنى ساعدة ، يقولون : منا أمير ومنكم أمير ، فراعه ذلك ، وصور له الحزم كل مخوف ، فعلم أن الداء الذي عنه نطقوا أشد علاجا من الداء الذي نطق عنه عمر وعثمان وعبد الرحمن ، والنفر من المهاجرين الذين قالوا : إن النبي صلى الله عليه وعلى آله لم يمت ، وعلم أن إبراء كل سقم أهون من إبراء سقم الحمية والطمع في الملك ، ولا سيما إذا شابهما سوء تأويل ، وضافرهما الحس بالقوة . وهذا لهو الداء العضال ( 1 ) والداهية العقام .
--> ( 1 ) في الأصل : " العضاه " .